بسم الله الرحمن
الرحیم
الحج أشهر معلومات هي الأربعة الحرم كلها
أخي القارئ أينما أنت في البحر والبر ، لا تسخر قبل أن
تتدبر ، لا تستكبر قبل أن تتفكر ، حاول أن تقرأ أولاً ، ثم أنظر متحلياً متأملاً
ثم قل ما يحلو لك عن المقال ، فأنت مدعو معنا بصوت عالٍ ، أنت مدعو للتفكر ، فإذا
فكرت فقدر ، ثم أنظر ثم قرر ، واحذرثم احذر أن تكـون كـمن قــال الله عــنه
(إِنَّهُ
فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿18﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿19﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
﴿20﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿21﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿22﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿23﴾)
المدثر 18-23
ألا إن القرآن يسير للمدكر ، واضح البيان للمتفكر
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر 17
ولقد قال الله فيه (الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)
وإنها لواضحة البيان وناصعة البينات ، إذا حسنت
لدينا النيات ، إنها لحل واضح البيان ، يفتح للناس أبواب من الإحسان ، وتوسع للحج
الزمان ، فإن بإمكان الناس أن يكون حجهم أربعة أشهر ، أي أن يكون الحج أربعة مواسم
في العام ، أي في كل من الأشهر الحرام
يفتح للناس الحج ويقام ،
والأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم
.
هذه هي الأربعة الشهر الحرم ، التي أجمع عليها أهل العلم
،
نعم (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) هكذا قال الله ببيان
عربي مبين ، وهل القرآن ينطق بغير العربية الفصحى
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ) يوسف 2 .
وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن لا نتهم القرآن بالقصور ،
بل نحاول أن نفهم الآيات بلا إنحراف ولا تقصير ، الله يقول
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ)
فيجمع الأشهر جمع قلة ويصفها
بأنها معلومات ،
كيف يقول مفسر أو أكثر أن المراد بالأشهر شهر ونصف أو
شهر وعشرين يوماً ، إن هذا كلام وتفسير لا يليق بحق الله الذي علم الإنسان ما لم
يعلم ، والذي بين في الكتاب كلما يهم الإنسان من الأحكام. إذاً فالآية تؤكد بما لا
يدع مجالاً للشك أن (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ).
يعني أن لكم أيها الناس أن تجعلوا للحج أربعة
مواسم ، (رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم وهي الأشهر
الحرم) ،
فيكون الحج فيهن مفتوحاً للناس ، ومسموحاً للطائعين
والعالمين والركع والسجود من الناس أجمعين بل للعالمين ، إن الله وسع الزمان في
الحج وحدد المكان فعرفات محدود ، ومنى محدود ، والحرم بأكمله محدود .
لكن الزمان مفتوح في هذه الأشهر الأربعة ، ومسموح فيها
بلا حرج ولا تشديد. إن العلماء الذي قالوا أن المراد بالأشهر ، بعض ذي الحجة
لم يفهموا أن القرآن منزل للعالمين ، للناس جميعاً إلى
يوم الدين ، فأخذوا الآية بمأخذ العصر
الذي هم فيه ولم يدركوا أن وسائل المواصلات ستجعل الإنسان يصل إلى مكه من أقصى
الأرض في يوم واحد ، وأنها ستستقبل من الحجاج الملايين في أسبوع واحد.
لكننا الآن وصلنا إلى هذه الحقيقة ، وأصبح الحج ممكناً
للناس أجمعين وأصبح من الممكن أن يصل ملايين الناس إلى مكة في يوم واحد ، من كل فج
عميق ، وعليه فإن مواجهة هذا الكم من الحجيج يتم بالعمل بالآية ، وينحل الإشكال
وينكشف بالتطبيق للآية العددية ، بل تنفتح بها مجالات الحج لكل قادر بلا تحديد عدد
لكل دولة ، فالناس مدعوون للحج من كل جنس ووطن ، ومن كل لون ودين ، فكيف يتم هذا
ونحن محددون للحج بشهر واحد .
إن الحج كما
يقول الله (أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ)
إنها الأربع الأشهر الحرم ، فكلها تصلح موسماً للحج ،
بدليل أنه سماها معلومات ، فلماذا سماها معلومات مع أنه قال في شهر الصيام (أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ)؟؟ إن هناك لا شك
فرقاً بين التعبيرين فالمعدود يعني أنه يحتاج إلى أن يُعْلَم ، ولهذا سماه الله
وقال : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ
مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) البقرة 185 .
وإذا كان الله قد حدد شهر الصوم وسماه فذلك لنعرف عدد
الأيام التي نصومها ، فكيف لم يحدد أشهر الحج ويقول مثلاً :شهر ذي الحجة الذي تقام
فيه المناسك ، لكنه عدل عن هذا وقال (أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ) ومن المعروف بأنها الأربعة الحرم
(فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ) وتأملوا الآية (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ) إن الضمير في كلمة (فِيهِنَّ) يؤكد أن
المراد عودته إلى الأربعة الأشهر المعلومات ، فهن
يصلحن جميعاً لفرض ونية الحج ، فمن فرض منكم يأيها الناس فيهن
أو في أحدهن الحج يكن مقبولاً عند الله الذي
يخاطبكم بلسان عربي مبين .
قد تقولون وكيف يكون الحج في هذه الأشهر الأربعة؟؟
ومتى يكون العيد؟؟
وكيف يكون النحر
والناس قد تعودوا على موسم واحد
ويوم للنحر واحد
وعيد واحد؟؟
هو في ذي الحجة أي في العشر الأولى منه. نقول تلك عادة
إعتادها الناس ، لأن النبي حج في هذا الشهر فاتُّخِذ عادة ، ولم يدرك الناس أن
الزمان سيتغير ويدور حتى يصبح من الواضح لهم أن للناس أن يحجوا في الأربعة الأشهر المعلومات.
قد تقولون .. أسلمنا بأن الحج أربعة أشهر فكيف نحدد
الوقوف بعرفة ويوم النحر ؟؟
نقول أن التحديد وارد كما حُدِدَ في ذي الحجة ،
فليكن يوم
الوقوف هو اليوم التاسع من كل هذه الشهور ،
وليكن يوم النحر هو اليوم العاشر
من كل هذه الشهور ،
تماماً كما هو في شهر ذي الحجة الآن ،
ولتأكيد هذا
المعنى ولإبراز هذه المهمة التي تهتم بتحديد يوم الوقوف
ويوم النحر نقرأ :
جاء في سورة البقرة عقب آيات الصيام قول الله سبحانه
وتعالى :
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)
تأملوا …يسألونك عن الأهلة أي عن سبب نقص القمر وتقديره
منازل في النقص والإكتمال ، فقال الله مجيباً أن الحكمة هي أنه (مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) في كل شيء وفي كل مهمات وأمور
الحياه ، وكان هذا يكفي لكنه خصص بعد التعميم فقال بعد ذلك (وَالْحَجِّ) ليدل على الأهمية ، وإلا فلماذا تأتي
كلمة (وَالْحَجِّ) إذن فالأهلة هي الدليل
العملي لتحديد أول يوم من الشهور الأربعة
ليعرف بذلك اليوم التاسع واليوم العاشر ويتحدد برقم
.
ثم أن موقع هذه الآية (يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الأهِلَّةِ) ومجيئها عقب آيات الصيام تدعونا للتأمل ، فالصيام جدير
بأن يعرف أول أيام شهره ، فلماذا لم يذكر الصيام وذكر بدلاً عنه الحج ، إن هذا
إشعار لنا بأن الصيام يمكن تحديده بالهلال أو بإكمال العدة ، لأنه شهر واحد وأيامه
معدوده ، كما وصفها الله ، ولم يقل كما قال في الحج معلومات ، فكان الحج هو الأهم
بالذكر في آية الأهله ، لأنه لا بد أن يحدد
أول كل شهر من شهوره بدقه ليعرف اليوم التاسع والعاشر
بدقة ،
فالأشهر أربعة لابد أن يكون لها علامات تدل على
بدايتها وإمارات واضحة الدلالة وتلك هي الأهله
. إن كل شهر من الأربعة لا بد أن يرقب المسلمون هلاله ليعرفوا ببدايته موعد وقوفهم ونحرهم وأيام حجهم ،
وعليه فإن يوم تاسع رجب
هو يوم عرفه ،
ويوم تاسع القعده هو
يوم عرفه ،
ويوم تاسع الحجة هو يوم عرفه ،
ويوم تاسع محرم هو يوم عرفه .
كما أن يوم عاشر هذه الشهور
إنما هو يوم النحر ،
وما يليها هي أيام التشريق
، تماماً كما هي في شهر ذو الحجة الذي إعتدنا عليه .وبعد هذا التقرير الذي أرجوا
أنكم قد فهمتموه ، ألفت انتباهكم هنا إلى شيء هام ، هو قوله تعالى في آيات الحج
وهو يعلمنا المناسك ويتحدث عن أيام التشريق
قال : (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ
مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن
تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) البقرة 203
لماذا سماها معدودات ولم يقل معلومات؟؟ لأنها فعلاً معدودة فهي ثلاثة أيام وهي أيام التشريق ،
لكنه وصف أشهر الحج بأنها معلومات
لأنها مسماه معلومه ، بل موصوفه بأنها الأشهر
الحرم ، فهي معلومه لكل الناس ، للمسلم
والكافر ، والبادي والحاضر ، والمقيم والمسافر ، والأول والآخر ، بلا لبس ولا
اختلاف ،
ولهذا كان الكفار يحتالون على حرمتها بالنسيء ، الذي وصفه الله بأنه زيادة في الكفر وبأنه
ضلال مضر ، ثم أنه وعلى ضوء فهم الفرق بين معلوم
ومعدود ألفتإنتباهكم إلى شيء هام آخر ،
هو قوله تعالى في سورة الحج : (وَأَذِّن
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿27﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ
اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) الحج 27/28
نعم إنها أيام معلومات ، معلومات بكونها تبدأ من يوم معلوم وتنتهي في يوم معلوم فهي أيام معلومة في الأشهر المعلومة ، تلك هي التاسع والعاشر وما يليها
من أيام التشريق ، فهي معلومات في أشهرها
المعلومات .
ثم تعالوا معي إلى دليل ثالث ، يؤكد أن الحج يصح في
الأشهر الأربعة وهو قولة تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ
السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)
التوبة 36 إن هذا يؤكد أن هذه الأشهر ازلية أبدية ،
معلومة للملائكة وللأفلاك ولكل المخلوقات ، التي سبقت الإنسان ، ولا تزال معه مدى
الزمان .
إنها مشهورة في
السموات والأرض ، ومعروفة لمن وما بينهما من الخلق المدركين لما حولهم ، الموجودين
قبل الناس ، فما بال الناس يظلمون أنفسهم فيهن ، وينسون حرمتها وجلالها ، ويجهلون
معلوميتها.إن شهرتها وحرمتها وعددها معروفة عند كل خلق الله ، بل وقبل ذلك (عِندَ
اللّهِ) وهو الله أكبر من كل شيء ، وهو الله خالق كل شيء ، وهو الذي إختار لنا
الدين القيم ، فكبروه ، واجعلوا الأشهر الحرم موسماً لحجكم ، لتنالوا القرب عند
ربكم ، وتزيحوا الظلم عن أنفسكم ، ثم (وَاعْلَمُواْ
أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .
ثم تعالوا معي إلى سورة الفجر ، فإن شعاع الفجر هناك
يكشف لنا سراً عن الحج ، وتشير لأيامه ولياليه بأسلوب بديع لنقرأ السورة من
البداية :
(وَالْفَجْرِ) الكلمة جائت معرفة بالألف واللام
ثم ماذا لنقرأ :
(وَلَيَالٍ عَشْرٍ) إنها بدون ألف ولام ،
إنها بدون تعريف كالأولى قبلها ، إنها بدون حرفي التعريف
( ألـ ) ثم إنها منكره (لَيَالٍ) منكرة وصفتها (عَشْرٍ) منكرة ، فالتنكير شمل
الصفة والموصوف (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) لماذا هذا؟؟ …
إنتظروا حتى
نكمل المشوار ثم لنقرأ ما بعدها :
(وَالشَّفْعِ )
(وَالْوَتْرِ) إنها مثل الأولى كلمة (وَالْفَجْرِ) محلاة بأداة
التعريف أي معرفة بالألف واللام ،
ثم نأتي إلى
الأخيرة
وهي (وَاللَّيْلِ إِذَا
يَسْرِ) الليل معرف كذلك بالألف
واللام ، فلماذا.. لماذا هذا الأسلوب ؟؟
لماذا تعرفت الكلمة الأولى والأخيرات ، وتعرت الثانية عن
التعريف ؟؟
إسألوا أنفسكم لماذا عرفت الكلمات المقسم بها كلها إلا
كلمتي
(وَلَيَالٍ عَشْرٍ)؟؟
لماذا عرفت التي قبلها والتي بعدها بالألف واللام؟؟
وهي لم تعرف مع
أن الأسلوب الأمثل أن تعرف جميعاً وهذا هو المناسب لقواعد البيان؟؟ لكن التنكير هو
البيان ، فتنكيرها يعني أنها
فعلاً ليالٍ عشر
متكررة مع الشهور،
وليست معهودة في شهر واحد ،
فهي تتكرر في رجب وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي محرم ،
وهي التي نعرفها بالأهلة
التي هي مواقيت للناس والحج ،
وما أشهر الحج إلا كل الأشهر الحرم الأربعة المعلومه عند
الله
وعند خلقة منذ خلق السموات والأرض ، ثم لنسأل أنفسنا من
جديد ، لماذا لم يقل والليالي العشر ،
بل قال وليالٍ
عشر؟؟
إن هذا لكي يخرجها من التخصيص لان الأشهر أربعة ،
وليدلنا ويبين لنا أنها ليالي متكرره مع كل شهر حرام وهي موسم الحج العام.
وبعد ،،، هذه مجرد إشارات ، أصفها أمام المهتمين بشئون
الحج في السعودية وسواها ، وأمام المسلمين في كل مكان من الأرض ، ولكل من عاصرنا
فيها أو يأتي بعدنا عليها ، إن هذه قضية ستجعل
الحج عاماً للناس ميسوراً ، وتجعل
الزمن أمام الناس مفتوحاً ،
لا تضييق فيه
ولا تقسير ، ولا تحديد للعدد ولا تقطير.
إن الله قد حدد
للحج المكان وعين حدود كل الشعائر والمواقع ،
فعرفات له حدود ، ومنى ومزدلفه كذلك ، بل أن الحرم كله
محدود بحدود ،
ولكنه فتح للناس
الزمن ووسع فيه ، لتظهر آيات الله ، فيكون الحج مفتوحاً في الأشهر الأربعة ، فمن
فرض فيهن الحج فمكانه محدود ، وسلوكه محدود
(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ
فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
إن الزمان متعدد والمكان محدود ليقبل الناس على الحج
بعدد أكبر وليتعلموا القبول بالآخر ، وليحسنوا في التعامل مع من حضر
(فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
وبذلك يكون لهم عند الله العليم السميع ، مقام رفيع ،
(وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ
يَعْلَمْهُ اللّهُ)
ولكي نعمل الخير فلا بد من التزود بشيء هام ، وهو قوله
تعالى
(وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوَى) .
أي لكي تحجوا
وبعمل مقبول ، فإن زادكم هو التقوى ، وإنها فعلاً خير زاد ، وكيف لا والله يقول في
ختام الآية
(وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)
وأولوا الألباب هم الذي يعرفون الله ويقــدرونـه حــق
قـدرة ويعـلمـون أن الله يقـــول :
(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ) المائدة 27
ثم إذا جئنا إلى آية التوبة المذكورة سابقاً وهي
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ
اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ
مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) التوبة 36
ستجد أنه قد جاء
بعدها مباشرة قوله تعالى
(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي
الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ
عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ
اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ) التوبة 37
نعم لو جئنا على هذه الآية والتي قبلها ، وفهمنا مرادها
، وتدبرنا مرماها لمسنا وجلاً من الله وخوفاً على غفلتنا وإغفالنا
هذه الأشهر الحرم فلم تعد لدينا أشهرٌ حرم ، ولم نعد نحرم فيها ما حرم الله
،
إننا في حالة نسيء ،
وإذا كان الجاهليون يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً فإن النسيء عندنا أصبح دائماً ،
ولا ندري أننا قد نسينا أنفسنا ، وزين لنا عملنا ،
وأضحينا بعيدين عمَّا يريد ربنا ، وعن فهم آياته البينات. وليت شعري ما الذي دهانا ، ومن الذي زين لنا
سوء عملنا ، إنه حب الدنيا ، واتباع الهوى ، واتخاذنا الدين لهواً ولعباً وذلك شأن
الكافرين ، الذين يقول الله عنهم وهم في جهنم
يتمنون شيئاً من ماء الجنة
(إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى
الْكَافِرِينَ ﴿50﴾) من هم
(الَّذِينَ اتَّخَذُواْ
دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ
كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا)
ثم ماذا بعد (وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿51﴾) الأعراف 50/51
وهذا هو بيت القصيد ، فإننا بالآيات نجحد ، وفي الدين
نلهو ونلعب ، وللدنيا نسعى ونتعب ، وهذا هو الذي يسوق إلى نار ذات لهب فاستيقظوا
أيها النائمون على الشهوات ، قبل أن يوقظكم الموت
وتدبروا آيات ربكم ، واقبلوا عليها قبل أن تدبروا عن الدنيا وتساقوا للقاء ربكم وتحاسبوا عليها ، وتقولوا
(يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ
بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الأنعام 27
قد يقول قائل أنت تقول أن أشهر الحج هي الأربعة الأشهر
الحرم ، مع أن الله يقول في سورة المائدة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ) المائدة 2
فهو لم يقل
الأشهر الحرم بل سماه شهراً فقال (الشَّهْرَ الْحَرَامَ) وقال في آية آخرى من
السورة
(جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ
الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ
وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المائدة 97
فلم يسم الله إلا الشهر الحرام ، ولم يقل الأشهر الحرم ،
وهذا يدل على أن الشهر الحرام واحد هو ذي الحجة
.
لكني أقول لكم أن هذا الفهم لا يتفق مع معرفة اللغة ،
فالمفرد قد يطلق ويراد به الجمع ، ويقصد به غرض بلاغي هو جعل المجموع كالواحد في
الفضل، وكأن التفرق والتعدد لا يعني التفاضل ، بل كلها كأنها واحد ، وهذا ورد مع
كثير من الآيات فقد جاء في سورة الجن
(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ
حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) 8
فقد جمع كلمة حرس
وأفرد كلمة شديد ، مع أن المعلوم أن يقول (شداداً)
لكنه وحد الصفة ليدلنا على أن تعدد الحرس لا يعني
التفريط والغفلة ، بل كأنهم حارس واحد لا يحيد عن واجبه ، ولا يميل ، ثم جاء في الآية التي تليها
(فَمَن
يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) الجن 9 …
لقد أفرد كلمة (شِهَابًا)
وجمع الصفة فقال (رَّصَدًا) مع أن السياق
يستدعي أن يقول (شهاباً راصداً) لكن الإفراد للموصوف يوحي بأن كثرة الشهب لا تعني
الفوضى ، ولكن تعني مزيداً من الحفظ ، فكان مجموع كل الشهب شهاباً واحداً يرصد ،
وهذا أبلغ في التعبير عن الحفظ والحراسة .
وكذلك كلمة الشهر الحرام. إن توحيد
الشهر وإفراده يدل على أن كل شهر منها له الحرمه ، وله القيام ، وله ما
لغيره بالتمام ، فكلها عند الله شهر واحد ، لها معنى واحد وهي أنها حرام ، ومحرم
فيها كل ما حرمه الله من الأعمال ، والصيد والطعام ، كما هو معروف في آيات المائدة
.ثم أن المفرد قد جاء محل الجمع في قوله
تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) الفرقان 74
لماذا لم يقل (أئمة)
وهو الأنسب للسياق؟!!
لكن الإفراد هو
الأنسب للسياق ، وللغرض البياني ، والهدف البلاغي ، فكأن كل الآباء والأبناء
والذرية في التوحيد على الدين ، والتوحيد لرب العالمين ، واتباع سبيله المبين ..
كأنهم جميعاً في الناس إمام واحد ، لتوحد
طريقهم واتحاد سبيلهم واستنارة قلوبهم بنور الله أجمعين ،
أليس هذا أبلغ من أن يقول (واجعلنا للمتقين
أئمة).
ذلك لأن التعبير بالجمع قد يوحي بتعدد الآراء واختلاف
الطرق ، وتصرف السبل وهذا الوضع ، فهو الأمر المخل ، لكن الإفراد للكلمة أفاد مع
الإيجاز ، توحد الرأي والدين والسبيل في
كل العصور والأماكن ، وفي كل جيل.فكل إمام يخلف الأول ولا يبتعد عن الطريق وكل خلف
يمد مهمة السلف بلا تفريق فهم موكب واحد لا يختلف وهم قلوب متوحده خلفاً عن سلف
،وهم على سبيل سوية رغم تباعد العصور والأمكنة وهم متفقون ملتقون رغم توالي
الأجيال والأزمنه وهكذا يتسع إفراد الكلمة في قوله (وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
ويدل على هذه الحقائق التي تذهل العقل إعجازاً وبياناً .
ثم تعالوا إلى كلمة أخرى تدل على أجمل معنى هي قوله
تعالى
(ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ
طِفْلًا) من الآية الخامسة من سورة الحج ، لماذا لم يقل (أطفالاً) ذلك
ليؤكد لنا أن العالم كله مهما تكاثرت مواليده فهم عند الله
طفل واحد ، وفي قدرته وتدبيره مولود واحد
، فلا يعني لله شيئاً من اللغوب والإنشغال ولا قليلاً من القلق والإهمال، بل كلهم
برعاية الله في أحسن حال وكلهم بتدبيره ينمو ويصح ، من أقوى الرجال الى الضعيف
والشيخ ولتأكيد هذا المعنى يقول الله
(مَّا
خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ
وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) لقمان 28
ولو أردنا إيراد الأمثلة لطالت العبارة ولكن الحر تكفيه
الإشارة.وها نحن نواصل البحث في آيات الحج وكلماته بما يزيدنا إستنارة .
حل رباني و
بيان قرآني يقي حجاج البيت الحرام من
الإرباك والزحام فاستمعوا وعوا أيها الأنام ويا أولي الألباب والأفهام،، ما يقول
الله العلام الذي يعلم ما كان وما يكون والذي أنزل القرآن هدىً للعالمين ، إنه
يقول في سورة البقرة
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ
جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ
وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي
الأَلْبَابِ) البقرة 197،
ويقول في سورة التوبة :
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي
كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ
اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) التوبة 36،
وعليه فإن الأشهر الحرم معلومة ، منذ خلق
السموات والأرض ، ومكتوبة في كتاب الله ، ونظامه الكوني ، لا تتغير ولا تتبدل ،
فهي أشهر حرم في كل زمان ، وإلى أن تقوم الساعة ، فلا يصح فيها إلا التقوى والسلام
، ولا فيها قتال ولا خصام ، ولا صيد ولا إيذاء للناس ولا للهوام ، بل
نظام ، وحج وصيام ، وركوع وقيام ، وعطوف وإحرام
، ولهذا قال الله
(ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)
فهي محطة زمنية لتعظيم شعائر الله وحرماته ، كما
أن الحرم محطة مكانيه لتعظيم الشعائر والحرمات ، فالناس فيها مكلفون بالحج والعمل
الصالح ، وترك القلق والانشغال بالمصالح ، فإن ذلك ظلم للنفس ، وسعي جامح ، وحرمان
لها من العمل الرابح ، الذي يحرص عليه المؤمن الفالح ، ولهذا قال الله عقب ذلك
(فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)
وما الظلم إلا الانشغال بما ليس فيه خير باق ، وما الظلم
إلا الاهتمام بالمتاع الفاني ، وما الظلم إلا الانطلاق إلى المطامع ، والاندفاع في
الدنيا بلا تقوى ولا وازع. إن عدة الشهور اثنا عشر
شهراً في كتاب الله ،
يوم خلق السموات والأرض. فهي شهور معلومة
للعالمين ، الأولين والآخرين ، ولا يختلف عليها أحد من السابقين واللاحقين ، ولا
المؤمنين ولا الكافرين ، ومثل ذلك التقدير والتنظيم لعدة الشهور السنوية الدائمة ،
كان التحديد والتقدير
للأربعة الأشهر الدينية المحرمة ،
فهي أربعة معلومة للجميع بلا ارتياب ، منذ أن عرف
الإنسان نفسه وعرف الحساب.
وإذن فهي أربعة
لها شأن متميز هو أنها أربعة حرم ، ودين قيم ، ولها موقع خاص هي أنها
قيام للناس ومثابة وموسم للحج لله
والإنابة له
ولهذا فإن الله يعلنها لنا بوضوح ويقول
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)
نعم معلومات فمن ذا
الذي يجهل العلم بها ، إنها معلومة للناس كلها مسلمها وكافرها ، أولها وآخرها ،
معلومة لكل الأنبياء والمرسلين وأممها ، ولهذا كان الجاهليون يتحايلون عليها وعلى
حرماتها
ويلجئون إلى النسيء
وهو كفر وضلال وظلام ، ليواطئوا عدة ما حرم الله في
الأشهر الحرم، فيحلوا بضلالهم ما حرم الله فيها على الأنام على مدى الأيام
والأعوام ، زين لهم سوء عملهم ، فضلوا عن سبيل ربهم ، فتركهم الله لضلالهم
(وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة 37 ،
وإذن فنحن يجب أن نحترم هذه الأشهر
المعلومة ، وأن نستمر على ما كتبه الله لها ، وبها علينا ، إن كنا أمة
مسلمة. فإن إقامة الأشهر الحرم ، هو الدين القيم ، وما إقامتها إلا بأن نتبع ما
كتب الله فيها وهو الحج ،
قد تسألون: هل
تعني أنها موسم للحج الأكبر؟
وأقول نعم إن الأشهر الحرم الأربعة هي موسم للحج
، وأن علينا أن نحج فيها ، وأن نقيم شعائر الحج ومناسكه فيها كلها بلا ارتياب ولا
تردد ، وإلا كنا واقعين في الشك الذي وقع فيه الجاهليون ، وكنا لكتاب الله ناسين ،
وفي آياته مرتابين ، ولنظامه الكوني مخالفين ، وعن إرادته منحرفين ، وعن نعمته
مبتعدين ، وللضلال مقتربين ، والله لا يهدي إلا من اهتدى ، فلنهتد بهداه يزدنا
هدى. إذن فالحج يصلح أن يقام وتؤدى مناسكه في الأشهر الأربعة :
رجب الفرد و ذي
القعدة و ذي
الحجة و محرم
1 2 3 4
إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
السموات والأرض وبراها وعادت الأشهر الحرم محددة معلومة ،
لكل أهل الأرض والسماء ، وانمحى النسيء الذي ضل به
الكافرون ، وأضلوا كثيراً ، وضلوا عن سواء السبيل ، وجاء الرسول الخاتم محمد
الأمين صلى الله عليه وسلم ليعلن أن الأشهر الحرم هي تلك التي حددها الله العليم
الحكيم ، وهذا هو الدين القيم ، وجعلها موسماً للعمل الصالح السليم ، ومثابة للناس
يتوبون فيها للحق والصراط المستقيم، وقياماً للناس يقيمون فيها منارات
التحريم لما حرم الله من الدماء والأعراض
والأموال. ويرفعون فيها رايات ما شائه الله وارتضاه ، من صالح الأعمال ، ثم
وليستمر التحريم في حياتهم طوال الأعوام ، ويستقيم العمل الصالح مدى الأيام ، فما
الأشهر الحرم إلا محطات نموذجيه للتزود منها في مسيرة الناس ، إلى كل الأرض
والأقطار والأوطان ، وإلى كل الأيام والشهور والأزمان ، فتبقى
الأرض كلها حرماً آمناً ، ويستمر الزمن كله أشهراً حرماً ، ويستقيم الناس
على العمل الصالح والتقوى ، متسلحين بذكر الله جل وعلا ، مستنيرين بهداه الذي من
اتبعه فلا يضل ولا يشقى ، وهذا هو الذي يجعل الحج لله على الناس من استطاع إليه
سبيلاً ، ومن كفر فإن الله غني عنه أبداً.
ولهذا أقول مع
احترامي لهؤلاء العلماء الأعلام ، والمجتهدين الكرام أنهم كلهم خرجوا عن النص ،
وأبطلوا ما في الآية من المعاني ، وحملوا الآية معنى لا يتفق مع البيان القرآني ،
ولا يقره اللسان العربي البياني ، فالله يقول وهو العليم الحكيم ، وهو الذي علمنا
اللغة والكلام
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) إن (أَشْهُرٌ) جمع قله
، يدل على أنها أربعة ، ولهذا قال في
آية التوبة (إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ) فأتى بجمع الكثرة ،
فكيف تحول جمع أشهر إلى شهر وعشرة أيام؟
وكيف جاز أن يطلق الجمع على المفرد وجزء من
المفرد؟؟ إن هذا لا يقول به أحد عربي ،
بل حتى العجمي الذي لا يعرف اللسان العربي ، سينكر هذا التفسير العددي لكلمة (أَشْهُرٌ) فكيف بأئمة البيان العربي ، ومجتهدي
الفقه الإسلامي.
لقد اجتهدوا
وأخطئوا . ولكن ليس علينا أن نتبعهم في
التفسير للأشهر بأنها شهر ، بل لا بد أن نفهم الآية على معناها الصحيح الواضح بأن
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) يعني أنها الأشهر المعلومة منذ خلق الله الأرض
والسموات وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة
ومحرم ،
هذه هي الأشهر المعلومات لكل الناس ، لمن يأتي
منهم ، ولمن مات وللرسالات والنبوءات ، بلا استثناء ولا تأويلات ، فكيف نجعل أشهر الحج المعلومات ، أقل مما تعنيه
الكلمات؟!! إن هذا تقصير لا يرضاه إلا من
لا يفهم البينات.
قد تقولون كيف تأتي في آخر الزمان ، وبعد مضي
القرون من نزول القرآن ، لتقول لنا أن الحج يصح أن يقام في الأشهر الأربعة المعلومات؟
إن
هذا مقال لم يقله أحد من أهل الفقه ، ولا أحد من علماء اللغة؟!!لكني أقول أن
القرآن هو قمة اللغة ، بل هو أصل اللغة ، وهو البيان الذي يتعلم منه أهل البيان ،
وهو الحَكَم الذي يحتكم إليه كل فقيه ، ممن تأخر أو تقدم ، وأنا قد فقهت من الآيات
ما لم يفقه السابقون ، لأني جئت في زمن لم يدركوا ما فيه من تطورات . فهم كانوا يظنون أن
السفر الطويل والمسافات المتطاولات يحتم على الناس أن يحجوا في شهر واحد ،
وذلك
مبلغ الاستطاعة ، ومنتهى الجهد لكل جماعة ، لكن الزمن الآن قد قرب المسافات وقصر
السفر وجعل كل فج عميق ، قريباً من البيت العتيق ، وصير كل الناس قادرين على الفرض بلا معيق ، وسهل صعوبة الانتقال وسير الطريق ، فلم يعد السفر مرهقاً ، ولم يعد الطريق
شاقاً ، ولم يعد بين المشرق والمغرب فارقاً ، فالبعد الشاسع قد التفق ، والبون
الواسع قد ارتتق ، والحلم الغامض قد تحقق . فأصبح العميق من الفجاج ، سهلاً قريباً
للحجاج ، وأصبح الأذان في الناس بالحج ، يصل إلى كل قمة وفج ، يحمله الأثير والأقمار
، وتستقبله الأسر والديار ، بلا تفريق بين عرب وعجم ، وبين الأفراد والأمم. فكيف لا يبادر الناس بالحج جماعات ووحدانا ،وكيف
لا يأتون من كل فج
عميق ، رجالاً وركباناً ،
وكيف لا يأتون سراعاً ، على كل ضامر ، في البر سائر ، أو
للبحر ماخر ، أو في الجو طائر ، فالطائرات والسيارات والبواخر ، كلها يصح أن توصف بالمركب الضامر ، فالكلمة القرآنية دقيقة الدلالة ،
تصلح لكل مركوب حيواني أو آله ، فالخيل والبغال ، والحمير والجمال الضوامر ، مثلها الطائرات والقطارات والسيارات
والبواخر ، كلها ناقله للأثقال ، سريعة الانتقال ، ضامرة البطون والأطوال ، فالوصف
شامل للجميع ، منطبق على الحي والمصنوع ، وكلها من خلق الله البديع .فالانتقال على
المستحدث من الآلات ، أصبح يدفع الناس إلى الحج زرافات ، ومن كل القرى والقارات ،
ومن البيوت والمؤسسات ،
وإذا كان الأمر
كذلك ، فإن مكة لا بد أن تتسع للجميع ، ولا بد أن تستقبل الناس مهما كثرت الجموع ، لأن الفريضة واجبة ، فكيف نطلب
من المستطيع أن يتراخى عن واجبه ، وكيف نطلب من المسلم أن ينتظر الأداء ، وهو لا
يدري ماذا يكسب غداً ؟؟ إن هذا صد عن سبيل الله
واعتداء ، بل وإلحاد وظلم عظيم يوردنا العذاب الأليم ،
فما هو الحل أيها الناس العقلاء ، وما هو المخرج من هذه
الظلماء ، إنه في القرآن الذي هو الحق والهدى للإنسان ، وفيه البينات والفرقان ،
وفيه العلم الذي يهدي إلى الإحسان ، لقد قال الله (الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)
فاجعلوا الحج في هذه الأشهر المعلومات ، التي هي أربعة
حرم منذ خلقت الأرض والسموات ، وذلك هو الدين القيم ، والطريق الأسلم ، والعمل
الأقوم ، أوليس الله هو العليم الحكيم ، الهادي للصراط المستقيم ، أوليس هو المنزل
للقرآن هدى للعالمين ، وبلسان عربي مبين ؟؟؟
بلى بلى ..
إن هذا هو الحق الذي نزل به الروح الأمين ، على قلب خاتم
النبيين .فإذن فلنفهم الكلمات كما اقتضت وأبانت ، ولنعمل بها كما جاءت ، بلا
التواء ولا مراء ، فالبيان واضح الجلاء ، والأيام مشعة الضياء ، فلماذا الإنغماس
بها في ظلماء ،
ولماذا تفسيرها بما يخالف المعنى ، إن هذا هو الغباء ،
والغفول الذي به الله لا يرضى ، وكيفلا وقد قال (الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)
إنها كلمات واضحة المعنى ، بينة الدلالات ، وإذا أردتم
للمعنى وضوحاً أوفر، وشئتم تأكيداً يكشف المعنى أكثر ، فاسمعوا ما قال الله بعد
ذلك (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)
أكرر (فَمَن فَرَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ)
أكرر (فَمَن فَرَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ)
أكررها ثلاث مرات لتتأكدوا من وضوح الدلالات
فكلمة (فِيهِنَّ) تعني أن للإنسان أن يفرض
الحج في أي شهر (فِيهِنَّ) في أي واحد من
الأربعة الأشهر المعلومات (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ).
أفهمتم أن هذا
تأكيد لكم، وإيضاح لكم، وبيان يقضي على ارتيابكم وحكم يمسح كل شكوككم ، وقرار يبعد
كل غموضكم ، فهل تحتكمون إلى القرآن والهدى ، أم إلى الهوى. إذن فافرضوا على أنفسكم الحج باطمئنان ، في أي شهر
من الأشهر المعلومات ، وقرروا للناس أن يحجوا لله إلى البيت،
في أي شهر من الأربعة
المشهورات ، وثقوا بأن هذا
هو حكم الله عالم الغيب والشهادة ، فهو العليم بأن الناس سيصلون إلى زمن تتقاصر
فيه المسافات المتباعدة ، ويكثر فيه الناس التي للحج قاصدة ، وبأعداد متصاعدة ، بل
أن الإسلام سيعم بلاداً وأناساً متعددة ، بل وسيدخل الناس في دين الله أفواجاً ، ويأتون لبيت
الله حجاجاً ، ولهذا فقد أفسح الله لهم الزمن والميعاد ،
وجعل الحج أشهراً معلومات ، حتى لا يحرم منه من أراد ، أليس الله علام الغيوب ،
أليس هو الذي جعل الحج لله على الناس ، فكيف يعلنه على العالمين؟
ولا يفسح لهم الزمن ليسعهم أجمعين؟؟ لنقرأ الآية من جديد
:
(الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ
وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ
يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ
يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) البقرة 197،
ومن هو الذي سيفرض فيهن
الحج؟؟ إنهم كل الناس. ولنقرأ
(إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى
لِّلْعَالَمِينَ ﴿96﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ
كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ ﴿97﴾) آل عمران 96-97،
إن كلمة الناس والعالمين تدلان على أن كل الناس
المؤمنين ، من كل الملل مدعوون للحج ما داموا مؤمنين.ولكن الناس كفروا بما فيهم
أهل الكتاب ، فكان الله غنياً عنهم وعن العالمين ، ولكنهم لو آمنوا لكانوا حجاجاً
لله ، وللبيت قاصدين ، ولهذا قال الله :
(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً)
البقرة 125،
وقال (جَعَلَ اللّهُ
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ
الْحَرَامَ
قِيَامًا لِّلنَّاسِ) المائدة 97،
وقال (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)
الحج 27،
وقال
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن
بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ
الْمُخْبِتِينَ) الحج 34،
إن قوله ولكل أمة ،
يشير إلى أن كل الملل التي لها كتب الهية ، لها منسك في
مكة ، ولهذا قال : فإلهكم إله واحد. وأمام هذا النداء العام ، وهذا الواجب الهام ،
لا بد أن يحصل الزحام ، وقد يؤدي توزيع الحصص ، إلى تأخر الكثير عن الحج وتقاعس
الأكثر منهم عن الأداء ، بمختلف الحجج ، وأهم حجة هي تحديد عدد الحجاج ، وتضييق
تدفق الأفواج ، وهذا أمر لا يرضاه الله ، الذي يقول
(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج 27 ،
فكيف يرضى الله
بالتحديد ، وهو يدعوهم من كل فج بلا تحديد
وكيف يرضى أن تحجب عنهم المنافع والاكرام وهو يقول :
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن
بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)
الحج 28،
فالناس يجب أن يشهدوا المنافع الموعودة ، وأن يذكروا
الله في الأماكن والأيام المعلومة ، ليعظموا حرمات الله ولينالوا خيره ويعلنوا
تقواه .
إذن فإن فتح
الباب للحج في الأشهر المعلومات ، واجب أعلنه
رب الأرض والسموات ، وحدد ميعاد ومكان هذا الفرض ، يوم خلق السموات والأرض ، فالشهور إثنا عشر منذ القدم ، منها أربعة حرم ، ذلك الدين
القيم . فهيا أيها الناس ، هيا أيها المسلمون ، فكروا في الموضوع وقرروا ،
ولبيان الله تدبروا ، ولآياته تذكروا ، لتنالوا خير الله وتؤجروا ، فاقدموا على
التنفيذ ولا تتحيروا ، فالبيان القرآني واضح كالصباح ، والحكم الرباني حق مشرق
وضاح ، وعلينا أن ننطلق على نوره للعمل ، ولا حرج علينا ولا جناح. قد تقولون كيف
يمكن أن يكون الحج في الأشهر الأربعة؟ وقد تحدد يوم عرفه بأنه يوم تاسع ذي الحجة؟
ويوم النحر بأنه يوم
عاشر ذي الحجة؟
وتحددت أيام التشريق
بأنها يوم11/12/13 من ذي الحجة؟
فكيف نستطيع أن
نحدد مثلها في الأشهر الأخرى ؟؟
وكيف نخترع من
عندنا مواعيد جديدة ونتجرى؟؟
وأقول لكم ليس
هناك اختراع ، وليس هناك جرأة على الله ، بل هناك اتباع واستماع ، وتدبر لآيات
الله . تدبروا معي قوله تعالى في آية البقرة ، هذه التي نبحثها ، يقول في هذه الآية :
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ
خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) البقرة 197،
فهي معلومات معروفات ، ومشهورات لمن تقدم ولمن هو آت ،
وتأملوا معي قوله في آية الحج :
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ
الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الحج 28،
فهي أيضاً أيام معلومات ، في أشهر معلومات ،
لكنه
لما تحدث عن أيام التشريق قال :
(وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ
إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ
اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)البقرة 203،
لقد وصفها بأنها معدودات
، نعم. لأنها ثلاثة أيام ، ولا إثم على من
تعجل في يومين ، وهذا يؤكد لنا أن كلمة معلومات تعني
شيئاً غير المعدودوات ، فالمعلوم لا يتغير
اسمه ولا يتبدل موعده ،
لكن المعدود
المراد به : معرفة العدد مع أنه موعده ایضا بالشهرأُخَر
الذي يكون فيه ، ثم أن الله في آيات الصيام يقول :
(يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿183﴾ أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا
أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن
تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴿184﴾) البقرة 183-184،
ثم حدد هذه الأيام
المعدودات للصيام بقوله :
(شَهْرُ
رَمَضَانَ
الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة 185،
فأيام الصيام معدودة ، وشهرها معلوم ، هو شهر
رمضان وبتسمية الشهر عرفنا عددها ، وعرفنا أن شهر الصوم معلوم بإسمه المحدد
المعلوم ، فلو كان الحج في أيام معدودة ، وفي شهر واحد فقط كالصيام ، لقال الحج أيام معدودة ، ليكون معناه أنها يوم تسعة وعشره ، وهما يوم الوقوف
ويوم النحر ، ثم ثلاثة أيام لرجم الجمرات والذكر ، لكنه لم يرد هذا. بل أراد أن الحج له أشهر
معلومات ، وفي كل شهر لنا أيام معدودات
،
نحددها نحن في بقية الشهور بنفس العدد ، وفي نفس
الموقع ، الذي اعتدنا عليه في شهر ذي الحجة. فنجعل مثلاً
يوم
9 رجب
و9
ذي القعدة
و9 محرم
يوم الوقوف بعرفه كما هو يوم 9 من ذي الحجة
.
ونجعل
يوم
10رجب
و10ذي
القعدة
و10محرم
يوم النحر كما هو يوم 10 من ذي الحجة.
وهكذا
أيام التشريق ، نجعلها في الأيام التالية ، من
الأشهر الثلاثة الباقية ، أي يوم 11/12/13 من كل من رجب وذي القعدة ومحرم .
قد يقول قائل
هذا اختراع واجتراء ، بلا دليل ولا اقتداء ، وأنا أقول لكم تمهلوا قبل هذه
الاتهامات ، وتعالوا معي إلى الآيات نتدبرها بثبات وبلا تشنجات ، لنقرأ معاً قول
الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة ، وبعد آيات الصيام مباشرة إنه يقول
: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن
ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ
أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) البقرة 189،
إنه يتحدث عن
الأهلة فلماذا لم يقل إنها مواقيت للناس والصوم مع أنها جاءت بعد آيات الصوم؟؟
لأن الصوم شهر محدد واحد ، فمعرفته سهلة ميسورة ، إما
برؤية الهلال ، أو بإكمال عدة شعبان ، وليس هناك حرج في أن تصوم يوماً من شعبان ،
أو أن تزيد صيام يوم في شوال ، إذا غم عليك الهلال ، لتكمل عدة الأيام المعدودات ، التي هي ثلاثون نعم ذلك أمر سهل ميسور ، ولهذا يقول الله في
آيات الصيام :
(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ
عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة 185،
فالمراد هو إكمال العدة ، سواء في صيام الشهر لمن شهد
الشهر ، أو عند القضاء لمن أفطر ، عن مرض أو سفر . ذلك أن شهر الصيام شهر واحد
معلوم معدود ليس له ثانٍ .
أما شهور الحج فهي تتكرر
، ولهذا كانت الأهلة مواقيت للناس في كل
حياتهم ، ومواقيت للحج وهو الأهم ، ولهذا ذكره وخصه بالذكر ، للاهتمام بشأنه كما
هي عادة البيان ، وأساليبه المعروفة لأهل العرفان ، نعم إن الأهلة مواقيت للناس ثم هي مواقيت للحج .لماذا ؟؟
لأن أشهر الحج تتكرر
، ولا بد أن يراقب فيها الهلال ، ليحدد في كل
شهر منها مواعيد الحج ، أي أيامه التي هي التاسع
والعاشر ، وما يليها من أيام التشريق كما
ذكرنا سابقاً.
لا بد أن يكون الناس على يقين ، من أن يوم كذا في شهر
كذا هو يوم الوقوف ، وأن يوم كذا هو يوم النحر ، وهكذا في كل شهر من الأشهر المعلومات.
ولا بد أن يكون الناس على علم ، بأن بداية الشهر المعلوم من الأربعة ، هو يوم كذا
ليتحدد على ضوئه يوم الحج بلا شك ، ولهذا قال
(قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ
وَالْحَجِّ) ، فخصصه دون
سواه ليؤكد لنا أن الحج مكرر الشهور ،
وأنه منتظر لكل الناس ، وهلال أشهره منظوره ، ليكونوا
على بينة من يوم الحج الأكبر ، في كل واحد من
الأربعة الأشهر ،
وهكذا لا يمكن أن تأتي هذه الآية عبثاً ، ولا يمكن أن
تأتي بلا هدف ولا معنى ، بل لها هدف ومعنى ، لمن تدبر وأمعن النظر ، في آيات الله
التي لا تخفى على أولى الحجى . إن الآية هذه واضحة الدليل لذي الفكر ، بينة السبيل
لذي حجر وعلى ذكر الحجر
، فإني آخذكم إلى آية تشع كالفجر ، وللمراد تنصر ، لنقرأ أوائل سورة الفجر ، فإن
النور من آفاقها يظهر ، يقول الله :
(وَالْفَجْرِ ﴿1﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴿2﴾ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴿3﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴿4﴾ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ﴿5﴾) الفجر 1-5 ،
إنها الخمس
الآيات الأولى ، تأملوا معي الكلمات ، إن الله يقسم فيها بخمس من المخلوقات
.اقرءوها مرة ثانية ، هل تلاحظون فرقاً بيناً بين واحدة وأخرى ؟ أم أنها جاءت
بأسلوب واحد واستواء ؟؟
كلا كلا.لقد جاءت الأولى والثالثة والرابعة والخامسة
معرفة بالألف واللام ، (والفجر – والشفع – والوتر
– والليل إذا يسر)
لكن الثانية جاءت بدون تعريف (و
ليال عشر) ،
لم يقل (والليالي العشر)،
لماذا؟؟
إنها إشارة لمن يفهم ويتدبر القرآن ، إن هذه الليالي
العشر ليست محددة في ذي الحجة ، بل هي عشر ليال في كل شهر من الأشهر الأربعة.
أي أن لكل شهر من الأشهر الأربعة ليالٍ عشر،
يجب أن تعرف بالأهلة ، التي هي مواقيت للحج ، ولا بد أن تعرف متى تبدأ ومتى تنتهي ،
ليكون تاسعها هو يوم الحج
الأكبر ، وعاشرها هو يوم النحر ، إنها
عشر ليال تتكرر ، في كل الأربعة الأشهر ولهذا جاء ذكرها منكراً ،
بدون أداة تعريف
، وأفردت وحدها بين أخواتها المعرفات بأداة التعريف. إن هذا التنكير لها، إنما هو
تعريف لنا، بأنها ليال عشر متكررة ولهذا جاءت
منكرة.
فسبحان الذي جعل من التنكير تعريفاً، ومن التنكير لها
تشريفاً. وجعل التنكير دليلاً على التكرير ، لليالي العشر في الأشهر الأربعة
بانتظام ، فهي تتكرر أربع مرات في العام ،
وهي في كل شهر لها نفس المقام ، عند ربنا العلام ، ولمن
أراد إحيائها بالذكر وبالحج والعمرة ، من أهل الإسلام ، فافهموا يا أولى الأفهام
، وافقهوها يا أولى الأحلام ، هل في ذلك
غموض على الفكر ، وهل في ذلك قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ
؟؟
وبعد فهل نستطيع
أن نقول أن الآيتين ، أعني آيتي الأهلة والفجر قد أكدتا
لنا أن الحج يصح في الأربعة الأشهر؟
يمكن أن يكون ذلك قد تأكد وأن من له حجر من الناس قد
يوافق على أن الحج ليس في شهر ذي الحجة بشكل محدد ،
بل أنه يصح في رجب المفرد
، وفي الثلاثة الأشهر المتوالية وهي ذو القعدة
وذو الحجة والمحرم .
وإذا كنتم في
ريب من ذلك فأني أسألكم متى كان صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين
قريش؟؟
بل أحدد السؤال
أكثر فأقول متى سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية؟؟
إن المؤرخين يقولون :أذن الرسول في الناس بالحج في شهر ذي القعدة ،
ركب الرسول
ناقته القصوى ومعه أصحابه ، وساقوا هديهم سبعين بدنه. قد تقولون إنها عمرة ، وليست
حجاً. لكني أسأل ولماذا ساق النبي الهدي؟؟
إن الهدي لا يكون إلا مع الإهلال
بالحج؟!! بل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه (من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة)
وهذا الحديث رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل. إذن فإن
قصد الرسول في عام الحديبية كان هو الحج لا العمرة وقد أكد هذا القرآن بقوله تعالى
:
(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) الفتح 25 ،
ولتأكيد أن القصد
هو الحج ، نجد في حكاية الحديبية أنه لما انتهى الصلح ، تردد المسلمون في أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا
الهدي ، ليتحللوا من الإحرام ، لكن
النبي صلى الله عليه وسلم ، تقدم إلى هديه فنحره
، ودعا بالحلاق فحلق رأسه ،
فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي
فنحروه وحلقوا.
ومن المعروف أن الحلاقة لا تكون إلا بعد التحلل من الحج ، أما العمرة فهي التقصير فقط ،
وهذا
يعني أن الرسول قد أهل للحج في ذي القعدة ،
لكنه لصد قريش له وللمسلمين لم يدخل مكة ، فنحر وحلق وعاد ،
لكنه انتظر إلى العام التالي وكما وعده ربه
(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ
آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) الفتح 27
،
وفي
الموعد المضروب ، قبيل بداية شهر الحجة ، سار الرسول في ألفين من الصحابة قاصدين
مكة ، وبموجب الصلح ونزولاً من قريش على صلح الحديبية ، دخل الرسول مكة المكرمة
وأدى عمرة القضاء ،
ومكث
مع أصحابة فيها ثلاثة أيام يصلي بهم ويذكر الله ،
ويؤذن بهم بلال رافعاً اسم الله .لعلنا ندرك هنا
أن الرسول أدى عمرة تسمى عمرة القضاء ، في شهر
الحجة ولم ينوِ حجاً ،
فلو كان الحج لا يصح إلا في ذي الحجة لما تأخر النبي عن الإهلال بالحج في هذا
الشهر ولاغتنمها فرصة لا تعوض لأداء الحج لاسيما وأن قريشاً جلت عن مكة بمجرد
دخوله ،
ثم لم تأذن له بطول الإقامة في مكة ، فما كان
أخره أن يستغل شهر ذي الحجة لأداء الحج لا للعمرة فقط .لكنه لم يفعل لعلمه أن الحج يصح في سوى هذا الشهر
،
وأنه غير محدد بذي الحجة وهكذا خرج النبي من مكة
، وعاد إلى المدينة فرحاً بتحقيق وعد الله وتصديق رؤياه بدخول المسجد الحرام.
ثم تعالوا بنا نراجع فتح مكة وهو في السنة الثامنة من
الهجرة :لقد خرج النبي مع جيش الفتح في الحادي والعشرين من
رمضان عام 8 من الهجرة ، ولقد تم له فتح مكة بسلام ، وبإسلام عدد كثير من
الأقوام ، وتم تهديم الأصنام ، وتطهير البيت الحرام ، من أثر الشرك والآثام .وبعد
إقامة الرسول في مكة أسبوعين ، توجه إلى ردع عدوان هوازن ، التي أرادت بالمسلمين
سوءاً بعد انتصارهم في فتح مكة وقررت أن تغزوا النبي وقومه ، لكن النبي سار
لمواجهتهم وردعهم ، فكان ما كان من فشل المسلمين في حنين ، ثم ثباتهم بسكينة الله
على الرسول وعلى المؤمنين ، ثم هزيمة هوازن ، ثم حصار الطائف وثقيف ، وقد استمر
الحصار حتى نهاية شوال ، وكما آذن شهر ذي القعدة بالقدوم وهو من الأشهر الحرم ، عاد النبي من الطائف إلى الجعرانه
، فقسم الغنائم بين المؤلفة قلوبهم ، ثم غادرها إلى مكة معتمراً ، في شهر ذي القعدة ، ثم عاد إلى المدينة مع أصحابة من
المهاجرين والأنصار ، في أول شهر ذي الحجة .
لقد سقت هذه الوقائع رغم عدم الحاجة إليها لنؤكد من جديد
أنه لو كان شهر ذي الحجة محدداً للحج لانتهز الرسول الوقت ولجعل تواجده في ضواحي
مكة فرصة ؛ أو على مقربة منها فرصة
لانتظار موعد الحج ، فلم يكن بينه وبين ذي
الحجة إلا بقية من ذي القعدة ،
فانتظاره كان
فرصة ثمينة ، وكان محل ترحيب وحب الجميع ، لاسيما أنه الآن ظافر منتصر حتى لو أقام
في مكة منتظراً ، فليست إقامته محددة كما كان في عمرة القضاء ، بل هو الآن تام
للإقامة كيفما شاء ، وإلى متى شاء ، وفي محل ترحيب واحتفاء ، لكنه رغم هذا غادر مكة بعد العمرة ،
ولم ينتظر الحج ، مع أنه على قاب قوسين من ذي الحجة.
إن هذا يدلنا
على أنه كان يدرك أن ذي الحجة ليس شهراً محدداً خاصاً
بالحج بل أنه (الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَاتٌ) كما قال الله فله أن يحج في أي شهر شاء والأيام أمامه
تتوالى .
قد تقولون لكنه لما حج حجة الوداع كان حجة في شهر ذي
الحجة ، وكذلك حج أبو بكر وعلي بن أبي طالب في السنة التاسعة ، حين كلف الرسول علي
بن أبي طالب بتلاوة سورة براءة على المشركين ،
لكني أقول لقد
اختار الرسول هذا الشهر لأنه الشهر الأوسط في الأشهر الثلاثة السرد المتوالية ،
وهو دائماً كان يحب التوسط في كل أمره ، ولا يعني اختياره للشهر الأوسط من الثلاثة
الأشهر المتوالية ، أنه الشهر المحدد الأوحد للحج بل هو اختيار جميل من الرسول وبه
اجتهد مع علمه أنه ليس هو الشهر المحدد ، وكيف لا والقرآن يقول ويتلى بلسانه على
الناس وفيه يقول الله
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ
رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
إنه لسان عربي والنبي أفصح العرب ، فكيف لا يفهم النص
وكيف لا يفهم أن المراد تكرر الحج أربع مرات في العام كما حدد الله العلام ، إن
هذا هو الحق وسواه أوهام .
هكذا أستدل بالحدث على أن الحج ليس محدداً في شهر ذي الحجة ، بل وهناك دليل آخر من نفس
الحدث ، وفي نفس العام الذي حج فيه النبي وفي نفس الشهر وهو
ذو الحجة .
هذا الدليل ينصر ما أقول ويؤكد أنه موافق للرسول ،
فاستمعوا إلى الدليل القاطع والقول الفصل بلا منازع ، يقول المؤرخون : لقد خرج
النبي من المدينة حاجاً وحين وصل إلى (ذي الحليفه) ميقات إحرام أهل المدينة ،
لبس مع أصحابه ملابس الإحرام ، ثم سار الموكب ملبياً
ذاكراً حتى وصل الموكب إلى محلة (سرف) وهي منطقة بين مكة والمدينة ، وهنا أناخ
الركب للراحة ، وعندها قال الرسول للصحابة ، وهو النبي المعلم المشرع لهم ، الذي
يأخذ الناس منه مناسكهم . ماذا قال لهم
؟ لقد قال :
(من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها
عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا) هكذا حدد أن الحج يصح لمن له هدي ، وأن شهر ذي الحجة يصح أن لا يكون موسماً للحج
، ولكن للعمرة فقط ، لمن لم يسق الهدي ، مع أنهم كلهم قد عرفوا الواجب وكلهم
يَصْدُقُ عليه قوله تعالى
(وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلّهِ)
وكيف لا وهم مع رسول الله الذي تنزل عليه القرآن وهو
المبلغ له من الله. ومن الجميل والمهم أن نعرف أن الرسول قد اختار هذا الشهر
الأوسط ، من الأشهر الثلاثة الحرم المتوالية ، لأنه يتفق مع قدرة أكبر عدد معه من
المسلمين
والمسلمات، فهو يصادف أواخر أيام الشتاء وأوائل الربيع
من الأشهر الشمسية ، إذ يؤكد الحاسبون أن هذا الشهر العاشر من العام العاشر للهجرة
، يتقابل مع شهر مارس ، من عام 632 ميلادية ،
وهو شهر معتدل الجو رائق النسيم ، ناعم الهواء ، للمسافر
والمقيم ، وللموكب العظيم ، الذي يتقدمه الرسول الكريم ، أليس هو الذي يصفه ربه
بقولة للمؤمنين
(عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة 128 ،
ولهذا اختار لهم
هذا الشهر المتوسط بين الأشهر الحرام والمتوسط الهواء والأنسام ، ليكون أوعى
للنشاط في الأسفار والمقام ، والوصول بسلام ، وأداء المناسك بيسر واهتمام ، فصلى
الله عليه وعلى من سار معه من الأصحاب والأقوام ، وعليه وعليهم من ربهم السلام ،
وعلينا معهم ، وعلى من اتبعهم باحسان إلى يوم القيام.
هیچ نظری موجود نیست:
ارسال یک نظر